أنا مجرد كاتب وأقول "مجرد" لا تواضعًا ولا محاولة يائسة للظهور بمظهر الرجل الحزين النبيل، بل لأن الكتابة نفسُها لم تعد شيئًا يُعوّل عليه في هذا الزمن، لم تعد الكلمات قادرة على إيقاف أحد في منتصف الطريق كما كانت تفعل سابقًا، لم يعد أحد يضع يده على صدره بعدما يقرأ جملة صادقة ويشعر أن العالم قد تغيّر قليلًا، الناس الآن يمرّون فوق الكلام كما تمر السيارات فوق الطرق السريعة؛ بسرعة، ببرود، و دون أن يلتفتوا حتى إلى ما دهسوه في طريقهم.
ولهذا أسأل نفسي كثيرًا، وبشيء من السخرية التي تشبه البكاء: كيف يُفترض برجل مثلي أن يفوز بكِ؟ كيف لرجل لا يملك إلا اللغة، التي هي نفسها تحتضر، أن ينافس كل هؤلاء الذين يحبونكِ بوسائل أكثر حياة منه؟
فها هو رسام يحبكِ، يستطيع الوغد أن يسرق ملامحكِ من الواقع ويمنحها خلودًا لا تملكه وجوه البشر العادية، أن يرسمكِ بعينين أكثر اتساعًا من الحقيقة، وبابتسامة أكثر دفئًا من كل ما تستطيعين تقديمه فعلًا، أن يجعل منكِ نسخة فنية أجمل ، ثم يعلّقكِ على الجدران كي يتأملك الغرباء كما لو أنكِ إحدى المعجزات الصغيرة التي هبطت صدفة إلى الأرض. وها هو مخرج أفلام يحبكِ، هذا الوغد أيضًا يجعل الكاميرا تقع في غرامكِ قبل أن يفعل هو، يحيطكِ بالموسيقى والإضاءة والمشاهد البطيئة، يخلق لكِ عالمًا كاملًا يبدو فيه مروركِ في الشارع حدثًا سينمائيًا يستحق التصفيق. وها هو موسيقي يحبكِ أيضًا، يحوّل اسمكِ إلى مقطع يتردد داخل رؤوس الناس دون أن يعرفوا حتى من تكونين، و يجعل الحنين إليكِ سهلًا، جاهزًا، و يمكن سماعه في أي وقت بضغطة زر.
أما أنا، فلا أملك شيئًا من هذا كله.
لا أملك إلا هذا الخراب الداخلي الذي أحاول ترتيبه على هيئة جُمل.
لا أملك لوحة أضعكِ فيها، ولا كاميرا أخدع بها العالم ليظن أنكِ أكثر النساء سحرًا، ولا لحنًا قادرًا على جعل اسمكِ يعلق في ذاكرة أحدهم. أنا فقط أكتب، والكتابة مهنة بائسة لرجل يريد امرأة مثلكِ، لأنها تعتمد على شيء لم يعد أحد يملك الصبر الكافي للإصغاء إليه؛ الكلمات.
أتعلمين ما المشكلة؟
أن الكاتب يبدو دائمًا أقل إقناعًا من بقية العشاق.
فالرسام مثلًا يستطيع أن يقول لكِ "أنتِ جميلة" دون أن ينطق حرفًا واحدًا، والموسيقي يستطيع أن يجعلكِ تشعرين بالحب حتى لو لم تفهمي اللغة التي يغني بها، والمخرج يستطيع أن يجعل امرأة عادية تبدو كأنها مركز الكون بمجرد زاوية تصوير جيدة، أما الكاتب… الكاتب البائس... فعليه أن يجلس ساعات طوالًا محاولًا إيجاد ترتيب مناسب للكلمات، ثم يسلّم قلبه كله لشخص قد يقرأ ما كتبه على عجل قبل النوم أو أثناء انتظاره لشيء آخر أكثر أهمية، دون أن يولي انتباهه للكلمات المكتوبة بدم القلب
ولهذا أشعر بالعجز كلما فكرت بكِ.
عجز حقيقي وثقيل ومهين أحيانًا.
لأنني أعرف أنني مهما كتبت فلن أستطيع منافسة رجل يستطيع أن يريكِ حبّه بدل أن يشرحه. أنا مضطر دائمًا للشرح، مضطر لأن أصف الشعور بدل أن أخلقه أمامكِ، مضطر لأن أقول "تخيلي" بينما الآخرون يمنحونكِ الصورة جاهزة وكاملة ومثالية. وحتى حين أكتب عنكِ أشعر أن اللغة تخونني، أن الكلمات تخرج ناقصة و باهتة، و أقل كثيرًا مما يحدث فعلًا داخلي. فكيف يمكن لجملة واحدة أن تحتوي كل الحنين؟ كيف يمكن لفقرة أن تنقل ذلك الثقل الذي أشعر به كلما تخيلت أنكِ قد تحبين رجلًا آخر أكثر قدرة مني على التعبير عن نفسه؟
اسمعي أنا لا أخاف من خسارتكِ لصالح رجل أجمل أو أنجح، بل أخاف أن أخسركِ لصالح رجل يملك طريقة أسهل للحب. رجل لا يحتاج إلى كل هذا العناء كي يقول ما يشعر به. رجل لا يجلس نصف الليل ممزقًا بين كلمة وأخرى لأنه يريد أن يبدو صادقًا بما يكفي. رجل يستطيع أن يمنحكِ شيئًا ملموسًا، شيئًا يُرى ويُسمع ويُحفظ، بينما أنا لا أستطيع إلا أن أترك لكِ نصوصًا طويلة تشبه رسائل نجاة كتبها شخص يغرق ببطء.
وربما هذا ما يؤلمني فعلًا؛ أنني أحبكِ بالطريقة الأقل فائدة في هذا العصر. أحبكِ بالكلمات، الكلمات التي لم تعد تنقذ أحدًا.
الكلمات التي لا تفتح بابًا مغلقًا، و لا تجعل أحدًا يبقى، و لا تمنع قلبًا من التغير، ولا تكفي كي تُشعر امرأة مثلكِ بأنها محبوبة بما يكفي. ومع ذلك أستمر بالكتابة، ليس لأنني أظن أنها ستجعلكِ تختارينني، بل لأنني لا أعرف طريقة أخرى لأتحمل وجودكِ داخلي. فكما تعلمين... الكتابة بالنسبة لي لم تعد موهبة حتى، بل هي نوع من العكاز النفسي لرجل لا يعرف كيف يحمل هذا الكم من الشعور حتى دون أن ينهار.
ولهذا حين أقول لكِ إنني مجرد كاتب، فأنا لا أقلل من نفسي بقدر ما أعترف بهزيمتي مبكرًا. أعترف أنني دخلت سباقًا لا أصلح له ، وأن كل ما أملكه في مواجهة هذا العالم هو قلب مرهق ولغة تتآكل ببطء، ومع ذلك ما زلت أكتبكِ، ربما لأن الإنسان حين يعجز عن الحصول على الشيء الذي يحبه، يحاول على الأقل أن يخلّده بالكلمات قبل أن تأتي النهاية، ويخسره بالكامل.



ما أتفق معك،راح تخلدها بسطورك،يمكن راح تشرح هواي وما تقدملّها شيء ملموس لكن راح تصف شكلها،حركاتها،تفكيرها،كلامها،تأثيرها عليك،راح تجسدها هي بكبرها بالسطور،رغم أن الزمن قلًل من قيمة الكِتابة الفعليّة ألا أنها تبقىٰ مُهِمة بنظري.
تعجبني كتاباتك ، قرأت الفقرة الأولى وخطر في عقلي تعليق وهو أن الناس لن يحتفو بالكتّاب حتى يغادرو هذه الحياة، انهم لايحبون كتاباتهم بل يحبون قصتنا التي تنتهي بمأساوية و حينها تُعطى كتاباتنا معنىً ( كتابة الكاتب الذي مات قهرا او مات قبل ان تنشر اعماله او او)
ان هذه الحياة مسرحية بحق
اما بقية المقالة بما يتعلق بالحُب فلم استطع اكماله لأنني غاضبة ممن احب واشعر ان كُل شيء عبارة عن اكذوبة ، لربما في وقتٍ لاحق .