عن العيطموس والطعمية والعنصرية وأشياء أخرى
كان يومًا عاديًا من تلك الأيام التي أمارس فيها هوايتي المقدّسة في تحويل الإنستغرام إلى معرض ذوقي خاص، لا أحد يدخله إلا بإذن، ولا يُضاف فيه إلا من يحمل من الجمال أو الجنون أو الوجع مما يتناغم مع بقاياي. رسامون ترقص ألوانهم على جثث أيامي، كُتّاب يجعلون من الحروف سكاكينًا وأوطانًا، هواة سينما يرون أن تاركوفسكي نبي، وأن ديزني لا تليق إلا بالرضّع أو المختلين.
وبينما أتجوّل في هذا البستان الرقمي المنسق بعناية، وقعت عيناي على حساب شاعرة. فتاة تكتب شعرًا. والشعر، كما تعلم، شيء لا يُقاوم، خاصة حين يُكتَب بأنوثة. فتنتني قصيدتها، كانت رخوة وناعمة كنسيم الفجر وضوئه، تمشي على أطراف المجاز، لا تصرخ، لا تزاحم، فقط تنساب كأنها تتمطى داخل فستان من الحرير الناعم.
إلى أن صفعتني الكلمة.
"العيطموس".
تخيل أن تُعدّ فنجان قهوة داكنًا، تضع فيه السكر بدرجات حزن الأمس، ثم تسقط فجأة فيه ملعقة ملوخية!
أو أو أن تصرخ بكلمة “ كشري!” فى منتصف أوبرا بالفرنسية
العيطموس.
لفظ ثقيل، غريب، نافذ كإبرة في شبكية العين، لا يمتّ بصلة لرقة القصيدة ولا لوقع الكلمات قبلها ولا بعدها. كان شاذًا كضفدعٍ في حفلة تنكرية للطيور. ومع ذلك، حاولت أن أكون رقيقًا. راقيًا. نبيلًا، كما يليق بشخص يؤمن أن الشعر ماء الأرواح.
فكتبت لها: "القصيدة رائعة، لكن كلمة العيطموس كسرت الإيقاع، وأفسدت الانسياب."
وما إن أرسلت الجملة حتى انقلبت الدنيا.
ردّت بسرعة كأنها كانت متحفزة وجاهزة، كأنها متربصة، كأنها تدير جهاز إنذار ضد “ الطعمية”
فقالت: "وإنت مالك يا مصري؟ إنتو المصريين غريبين والله!."
“ إيش هذا!”
وهنا، سقط القناع.
لا أعلم أي خازوق تاريخي مرّ على العرب قد جعل جنسيتي مادة للسب الفوري في أي حوار ولا كيف أصبحت مصريتي بمثابة جريمة، ولا متى امتلكت جواز سفر عليه ختم يقول "طعمية: يسمح بسبه والتعدي عليه فى حال إدعى أنه إنسان" فأنا كنت فقط أعلق على كلمة داخل قصيدة ووجدت أنه يتم سحلي أخلاقيًا لأهوي من مجرد قارئ إلى ممثل لجمهورية الطعمية
وفي ثوانٍ وجدتني داخل محكمة تافهة تُحاكمني على تاريخ لم أكتبه، وحدود لم أرسمها، ولهجة لا أملك منها إلا أن أتنفس بها.
فقلت: "طاب مساؤك."
ثم ضغطت على زر "بلوك"
لأسبّ بعدها وألعن في سلسفيل أبوها وأمها وأجدادها وكل من ساهم فى إنتاج هذا المنتَج الحضاري المقزز
أتعرفون ماهي آفتنا؟
أننا شعوب نُفرغ عقدنا على بعضنا البعض بمهارة الجراحين، نطعن ونحن نبتسم، نمارس العنصرية ونحن نضع على صفحاتنا آيات المساواة. العربي لا يكره الأجنبي بقدر ما يحتقر العربي الآخر
و أدينا أهو! المصري يرى نفسه أصل الحكاية و السعودي يرى نفسه صاحب الثروة الذي يحسده الجميع، اللبناني يرى نفسه باريس الشرق ، المغربي لازم يبضن على الجزائرى والجزائرى لازم يبضن على المغربي والشامي يكتب تعليقًا يبدأ بـ"نحن أهل الذوق"، وينتهي بتحقير ذوق الآخرين!
الفتاة، والحق يُقال، لم تكن حالة شاذة، بل مرآة لما نحن عليه: هشّون، متحفزون، نُخفي تحت جلودنا قنابل لا تنفجر إلا في وجه الأشقاء.
والأدهى من ذلك، أنها كانت تضع في البايو تعريفًا بنفسها: "العيطموس". تخيّل.
كأنها تقول للعالم: مرحبًا، أنا تجسيد مثالى للتناقض ، أنا تجسيد حيّ لقصيدة جميلة انتحرت فيها كلمة، أنا فتاة ذات ملامح رقيقة و شفاه ناعمة ولسان إبن وسخة
طب هو إيه المشكلة يسطا؟ هل قلت لها إن البايو يجب أن يكون بالإنجليزية؟ هل طلبت منها حذف الكلمة؟ هل وصفتها بالعنصرية القذرة قبل أن أكتشف أنها كذلك بالفعل؟ هل نفيت كونها عيطموسًا ولا طيزًا حتى؟
كل ما فعلته هو أني أبدَيت رأيًا أدبيًا بسيطًا. لكن يبدو أن الرأي في هذا الوطن لا يُغتفر خصوصًا إن كنت مصريًا
مانت مصري!
أحا مانت مصري!
يامصري!
يابن المصريين
يابن الكلب!
فقدت أعصابي؟
لاااع هذه فقط عصبيتي العادية صدقني لا تريد أن ترى كم السخرية والشتائم والحقائق التى أقذفها حينما أكون غاضبًا حقًا
على كل لم تكن المشكلة في "العيطموس". بل في العُقم.
العقم الحواري.
العقم النفسي.
عقم أولاد الحرام “ مارك سايكس”
“وفرانسوا بيكو”
والقحبة المستشرقة الجاسوسة “ جيرترود بيل”
العقم القومي الذي يجعل من كلمة عابرة سببًا لمعركة حدودية.
المشكلة إننا بنعيش في عالم افتراضي يُفترض به أن يُحررنا، لكنه يعيد إنتاج نفس القذارات القديمة بلون جديد. والإنترنت، بدل أن يكون أداة لفهم بعضنا، أصبح وسيلة ممتازة لكشف الكراهية المتبادلة.
أنا نسيت أم القصيدة. البنت نسيت اللى هخلفوها. لكن ما لم أنسَه، ولن أنساه، هو هذا الشعور اللزج المبكي الذي راودني حين تحولت فجأة إلى "المصري" الذي يجب ضربه على رأسه في كل خلاف. شعرت أني لست فردًا، بل " كيس ملاكمة" لمن أراد أن يفرغ فيه عقده وأوهامه واستعلاءه.
ها؟
أغلقنا الحدود؟ أقمنا السفارات؟ رفعنا الأعلام؟وقسّمنا الأقمار الصناعية؟
فين علاج المرض؟ أين؟؟ نحن لم نعالج المرض. مرض الكراهية بين من يُفترض أنهم أهلٌ وإخوة! فين العلاج؟ فين؟؟؟
أحد أسباب إنتقالى للكتابة هنا كان نابعًا من كوني لم أعد أبحث عن الجمال، بل عن مكان لا يُصفع فيه الإنسان كلما نطق بجملة ويقال له:
مانت مصري!
أحا مانت مصري!
يامصري!
يابن المصريين
يابن الكلب!
وإن عدتُ للإنستغرام يومًا، فلن أضيف طيز.. أقصد عيطموسًا بعد اليوم سأكتفي بمتابعة حسابات القطط والخرس تمامًا لأنني مصري والمصريين مينفعش يقولو رأيهم من إمتى الطعمية المزيتة المقلية فى زيت من أيام حتحور ليها رأي؟ أنا هعمل زي ما المثل بيقول” خليك فى كوزك لما نعوزك” ولما تعوزوني سأرفع لكم صباعي الأوسط لينتصب فى وجوهكم هذا بالطبع قبل أن أسحب صوتًا نابيًا من أنفي وأسبكم بأقذع الألفاظ يا عنصريين يا ولاد الوسخة


شعورك مع كلمة عيطموس وسط الشعر مثل شعوري وأنا اقرأ بعض الالفاظ الفاحشة في هذا المنشور
بقدر ما أن المقال ضحكني لشفافية السرد إلا ان الجانب المُحبَط منه وصلني، وفعلاً شيئ مؤسف اللي گاعد يصير بين العرب من تعنصر وكراهية لأشياء محد مننا أختارها! أساساً كيف تتعنصر على بلد معين فقط لأنك مو منه وتظن بأن لك الحق بفعل ذلك، إلا أنّ ذات الشخص لو وُلِد في ذات الرقعة الجغرافية اللي سخر بسببها على غيره لأي أسباب سطحية كانت فسيكون للأمر شأن آخر وسيحاول بشتى الطرق بالهجوم والدفاع عن شيئ ليس من صنع يديه
وسخيف جداً أن يربط المرء ماهيته كأنسانٍ بموقع جغرافي بغاية التعريف والحدودية
في حين أنه إنسان ، والذي من المفترض ان يكون بغاية (اللامحدودية) بعقله وأفكاره وشخصه.