كانت السخرية تجلس أمامي على السرير كما لو أنها امرأة أعرفها منذ سنوات طويلة، امرأة مرّت على وحدتي مراتٍ كثيرة حتى حفظت شكل الغرفة وحفظت أيضًا الطريقة التي أحدق بها في السقف حين أعجز عن النوم. لم تكن تبتسم في البداية، كانت فقط تنظر إليّ بعينين لامعتين فيهما ذلك البريق الخفيف الذي يسبق إطلاق النكات، كأنها تنتظر اللحظة المناسبة لتنتشلني من نفسي ثم تعيدني إليها بصورة أقل مأساوية.
كانت الغرفة معتمة إلا من ضوءٍ شاحب يتسرّب من النافذة ويقع فوق كتفيها. حتى الضوء بدا وكأنه يحبها، فقد كانت السخرية دائمًا جميلة بطريقة لا يمكن الإمساك بها، جميلة لأنك لا تراها كاملة أبدًا، لأن جزءًا منها يظل مختبئًا داخل المعنى، داخل تلك المسافة الصغيرة بين الألم والضحك.
قالت لي بصوتٍ خافت: أنت حزين الليلة على نحوٍ لا يصلح حتى للتندر.
ضحكتُ بخفوت، لا لأن عبارتها مضحكة، بل لأنني أعرف أنها تحاول إنقاذي بالطريقة الوحيدة التي تجيدها. اقتربت مني أكثر، حتى شعرت بحرارة أنفاسها على وجهي، وكانت رائحتها تشبه رائحة الليالي التي قضيتها أكتب نصوصًا طويلة لأهرب من شيءٍ لم أفهمه يومًا. رائحة قهوة باردة، وسهر، وتعليقات ساخرة تُكتب في الثالثة صباحًا ثم يصفق لها الغرباء لأنهم يظنونها ذكاءً بينما هي في حقيقتها مجرد استغاثة متقنة الصياغة.
مدّت يدها نحو صدري ببطء، وكانت يدها عبارة عن جملة لاذعة أعرفها جيدًا، جملة كنت قد ستخدمتها ذات يوم لأجعل أصدقائي يضحكون بينما كنت أختنق بصمت. راحت تمرر أصابعها فوقي لتداعبني كما لو أنها تفتش عن موضع الحزن داخلي، عن تلك البقعة التي بدأت تتعفن دون أن يلاحظها أحد.
ثم وقفت أمامي وتمايلت بغنج، في السابق. كان جسدها الرقيق يملك من الطرافة ما يكفي لانتشالي من أسوأ أيامي، أما الآن فقد بدا بائسًا و هشًا على نحوٍ يثير الشفقة. ببطء بدأت تتجرد من ملابسها، و التي لم تكن سوى أفكار قديمة ارتدتها كي تبدو أخف مما هي عليه، أفكار حيادية وبسطية قادرة على تحويل المأساة إلى تعليق ذكي يحصد الإعجاب. سقطت تلك الأفكار عنها قطعةً قطعة، حتى ظهرت أمامي عارية تمامًا، عارية من كل الأيديولوجيات المعطوبة، من كل الأقنعة التي تجعل الحزن يبدو مقننًا ومحتملًا.
سألتني بابتسامة صغيرة: ما رأيك في؟ هل ما زلت أبدو ظريفة؟
نظرت إليها طويلًا دون أن أجيب. لأول مرة بدت السخرية متعبة. كان جسدها مكوّنًا من نكات مستهلكة وعبارات فقدت قدرتها على الإدهاش، ومع ذلك ظل في داخلها شيء حميم، شيء يجعلني أرغب في الارتماء بين ذراعيها ولو لمجرد رغبتي في أن أنسى العالم قليلًا.
جلست بجانبي ثانية، وأسندت رأسها على كتفي كما تفعل النساء اللواتي يعرفن أنهن محبوبات حتى في لحظات الصمت. شعرت للحظة أنني أريدها فعلًا، لا بمعنى الرغبة الجسدية، بل بمعنى أعمق وأكثر بؤسًا؛ أردتها ككاتب يريد النجاة، كغريق يريد شيئًا يطفو فوقه حتى لو كان مجرد وهم جميل.
همست في أذني: هيا… اكتبني…
كانت تقولها دائمًا بتلك الطريقة الحميمية التي تجعل الكتابة تبدو كأنها خطيئة مشتركة بين اثنين. وحين نظرت إلى الطاولة المجاورة للسرير رأيت القلم ممددًا هناك في انتظارنا، والورقة البيضاء مستلقية كجسد بارد ينتظر أن تبعث فيه الحياة.
اقتربت السخرية أكثر، حتى كادت ملامحها تذوب داخل وجهي. شعرت بأصابعها تتسلل بين أفكاري، تعبث بها برفق، تفتح النوافذ المغلقة في رأسي، وتوقظ العبارات النائمة داخلي. إنها تعرف كيف تجعلني أكتب، كيف تحوّل انهياري إلى نص جميل، وكيف تجعل القرّاء يضحكون على الأشياء نفسها التي كانت تقتلني كل ليلة.
لكن شيئًا ما انطفأ فجأة.
وضعت يدي على كتفها وأبعدتها عني ببطء، كما يبتعد رجل مرهق عن امرأة يحبها لأنه لم يعد قادرًا على منحها ما تريد.
رفعت رأسها نحوي باستغراب، وكانت عيناها للمرة الأولى خاليتين من السحر.
قالت: ما الأمر؟
ظللت صامتًا قليلًا، أحدق في الظلام المتراكم عند أطراف الغرفة، ثم قلت بصوت بدا غريبًا حتى بالنسبة لي: هناك امرأة أخرى في حياتي.
ابتسمت فورًا، ظنّت أنني أمازحها، لكنها حين لم تجد أي أثر للضحك على وجهي بدأت ابتسامتها تخفت بالتدريج، كشمعة وحيدة أمام مهب الريح .
سألتني: من هي؟
قلت: سوداوية.
حين نطقت الاسم شعرت بأن الغرفة كلها أصبحت أثقل. حتى الضوء الشاحب فوق الجدار بدا وكأنه انطفأ قليلًا.
ابتعدت السخرية عني ببطء وجلست عند حافة السرير. راحت ترتدي أفكارها من جديد، فكرةً بعد أخرى، كما ترتدي امرأة ثيابها بعد ليلة أدركت فيها أنها لم تعد مرغوبة كما كانت. كان الصمت بيننا مؤلمًا على نحوٍ حميم، الصمت الذي يحدث بين شخصين يعرفان أن شيئًا مهمًا قد انتهى بالفعل حتى لو لم يغادر أحدهما المكان بعد.
قالت أخيرًا بصوت خافت: آه… تلك المرأة.
ثم أشعلت سيجارة غير موجودة، لأن السخرية دائمًا تحتاج إلى دخان يحيط بها كي تبدو أقل هشاشة.
سألتني وهي تنفث الفراغ من شفتيها: ومنذ متى وأنت معها؟
أجبت وأنا أحدق في الورقة البيضاء: منذ أن توقفتُ عن الضحك بصدق، ومنذ أن صارت الكتابة بالنسبة لي طريقة أنيقة للاحتضار لا أكثر.
نظرت إليّ طويلًا، وكان في عينيها حزن خفيف لم أعتد رؤيته. ربما لأن السخرية، رغم كل شيء، كانت تحبني بطريقتها الخاصة. كانت تعرف أنني كلما كتبتها أكثر كلما كنت في الحقيقة أطلب النجدة، وأن كل جملة ساخرة كتبتها لم تكن إلا محاولة فاشلة لتخفيف وطأة العالم عن صدري.
وقفت أخيرًا واتجهت نحو الباب بخطوات بطيئة. وحين وصلت إليه التفتت نحوي وقالت: حين تفرغ منك السوداوية ستعود إليّ.
لم أصدقها.
كنت أعرف أن السوداوية لا تفرغ من أحد، بل تسكنه فقط، بهدوءٍ تام، حتى يصبح صوته أكثر خفوتًا، ونظراته أكثر تعبًا، وتصبح الكتابة نفسها مجرد طريقة مهذبة للاعتراف بأنه لم ولن ينجو أبدًا…



حساسيّتي عالية أو النص فعلًا يضيّق الخاطر؟ جرعة من العيار الثقيل على النفس.
بالرغم من عتبي عليك إلا أنني لا أستطيع إنكار أن قدرتك على نسج فكرة مبتكرة بهذا العمق الشعوري أمر يستحق الإشادة فعلًا.
كُن بخير ياعُمر..
أكتر حاجة أبدعت فيها مش الفكرة بس، لكن الطريقة اللي خليت بيها السخرية كإنها أنثى حقيقية بتتكلم وبتحس وبتتحرك. الأسلوب كان حي جدا، كأنك ما كتبتش شعور، إنت صنعت شخصية كاملة ليها حضورها وطريقتها الخاصة.