كانت الخطة في هذا المقال أن أبدأ بالحديث عن تاريخ الرقص الشرقي لكنني وجدت أن هذا لا يخدم المسار الذي تتجه إليه الفكرة ويطيل النص بشكل محنك ونيردي للغاية لذا يكفي القول أن الرقص في بدايته هو عادة عتيقة عتاقة الحضارة المصرية ذاتها وكان يستخدم -لاحظ معي هنا- في الأعياد والجنائز والمناسبات الدينية لبث الرهبة والتقوى والورع أي أنه كان باختصار شكل من أشكال التدين عند المصريين القدماء وظل كذلك تقريبًا حتى عهد العثمانيين وتحديدًا فترة حكم محمد علي، ففي أيامه كانت الجاليات الأجنبية منتشرة بقوة ومتغلغلة في عظام الدولة المصرية لدرجة أنه كان بإمكانك بسهولة أن ترى فتاة أوروبية ترقص إلى جوار مثيلتها المصرية في المناسبات وطبعًا نفس الشيء بالنسبة للجمهور.. وبالمختصر فقد راح الأوروبي كعادته يسكشولايز كل شيء حتى التقا الرقص بالبغاء عند مرحلة ما، ولأن محمد علي كان رجل حمش ولا يعجبه الحال المايل فقد أمر بإيقاف واعتقال كل من تمارس هذه المهنة ومن وقتها وحال هذه المهنة يتبدل من مشين إلى مشاع حتى وصل إلى ماهو عليه اليوم.
فإن كنت مصريًا أو لم تكن فانت قد كبرت وانت تشاهد هيفاء وهبي وروبي وغيرهن من الراقصات اللائي يصررن على أن لهن أصواتًا غنائية لسبب ما إلى جانب رؤيتك لصافيناز التي لم يكن السبكي يستغنى عنها في أفلامه لسبب ما هو الآخر بالإضافة طبعًا لفيفي عبده ولوسي وصاحبة مدرسة الرقص المهببة الحديثة دينا كما أنك سواء كنت ولدًا أم بنتًا فقد تعرضت بشكل أو بآخر لإحدى وصلات الرقص الشرقي سواء في فيلم مصري قديم أو حديث من تلك الأفلام الهابطة أو في مسرحية كوميدية من مسرحيات الزمن الجميل أو الحديث برضو حتى صار الأمر مزاجًا وعاديًا أن نرى نسوانًا ترقص في كل شيء وكل مكان!.
في فيلم الراقصة والسياسي الصادر عام 1990 والمقتبس من قصة بنفس العنوان للكاتب إحسان عبد القدوس
تلعب نبيلة عبيد دور الراقصة سونيا ذائعة الصيت إلى جوار صلاح قابيل الذي يلعب دور السياسي الفاسد ويحاول الفيلم عمومًا أن يقول أنه لا اختلاف بين الراقصة والسياسي فكلاهما بارعان في الهز! الراقصة تهز بطنها لتشعل الغرائز والسياسي يهز لسانه خاطبًا ليستثير أحلام الناس! لكنني لست بصدد مناقشة هذه العلاقة القديمة والمعروفة رغم ظرافتها وتركيز الفيلم عليها، فماذا لو توقف السياسي عن الاقتران بالرقاصة وصار يستخدمها بدلًا من ذلك كي تصبح أداة حيوية يضرب بها أعداءه؟ أو مهلًا ماذا لو استخدم السياسي هذه الأداة ليخدر بها الشعب الذي يريد إستلطاخه؟ أوه أجل… أليس هذا هو الكلام؟.
في الرابع من يونيو سنة 67 كان الموسيقار صلاح عرام يقوم بإحياء حفل غنائي يقود فيه فرقته الذهبية بإحدى القواعد الجوية ومن خلال حواره مع جريدة الوفد يخبرنا الاستاذ عرام أن الحفل كان بهيجًا وصاخبًا وفيه دجاجات مقلية وخرفان مشوية وضباط وجنود وطيارين من الجوية! كلهم كانوا يشاهدون أفخاذ زينات علوي وهي تهز وتوز على أنغام صلاح عرام قبل النكسة بيوم واحد!
لا أحد يتصور كم ضحكت عندما قرأت عن الموضوع للمرة الأولى وأدركت الخيبة التي كنا فيها فرحت على سبيل التسلية أتخيل زينات علوي ترمي خصرها يمينًا فيهبط صاروخ اسرائيلي ليدك قاعدة ما ثم يسارًا فتدق قذيفة أخرى ثكنة ما وهكذا تندك الحصون والقواعد والثكنات كلها والضبابط مشغولون بهز وسط زينات علوي!، وطبعًا لأننا مصرييون ونتعلم من أخطائنا ونوظفها بشكل رائع كي ننهش ونبتز بها بعضنا بعضًا فقد ضربنا الضباط على ظهور أيديهم وقلنا لهم كخ لا تفعلوا ذلك مرة أخرى وأعطينا بضع سبانكات للراقصات ثم أطلقناهم في السينما والتلفزيون والتيك توك والانستا وكازينوهات شرم الشيخ ودهب وبعض الأماكن المخصوصة في القاهرة، فلو أن لعاب الضباط والجنود سال على زينات علوي أثناء توترات النكسة فلم لا يسيل لعابك انت أيها المواطن العادي للتتغاضي عن كل ما يحدث (والذي لن أذكره طبعًا عشان متحبسش) هاك ياعم خذ وعد القلوب تلك المكينة الفائرة التي ترقص لك أنت أيها المواطن العظيم في الحقيقة وفي التيك توك كمان إن لم يكن معك فلوس
تعرفون قصة موت سيدنا يحيى عليه السلام؟إنني أتخيل المشهد هكذا: يجتمع الملك هيرودوس مع نبلاءه وحاشيته المقربة في قاعة العرش الفسيحة ليجلس بجسده الممتليء وثوبه الملكي الفضفاض على عرشه المذهب، مراقبًا ابنة اخيه هيروديا وهي توشوش ابنتها المزة سالومي قبل أن تبدأ الرقصة التي وعدته بها. يتنحنح هيرودوس عدة مرات ويتململ في سأم وهو يسمع وشوشات النبلاء وهمساتهم، ثم فجأة يتحول كل شيء إلى صمت تدريجي وترقب حينما تقترب المزة المتدثرة بالأوشحة من منتصف القاعة وتبدأ الموسيقى بالانسياب من الجوانب. تسير سالومي بخفة على أطراف أصابعها الرقيقة، وتضع قدمًا أمام الأخرى وهي تتحرك برشاقة مع الإيقاع، وببطء تخلع وشحاها الأول لتكشف عن شعرها الفاحم وبشرتها السمراء الملتبهة وملامحها المبهرة، يحبس الحشد أنفاسه ويبتلع هيرودوس ريقه ليرطب حلقه الذي جف مع سقوط فكه. سالومي مستمرة في الرقص لقد ازدادت الموسيقى سرعة وراحت هي تتمايل وتنساب كغصن لين في مهب النسيم قبل أن تسقط الوشاح الثاني لتكشف كتفيها وذراعيها. الحشد يزدرد لعابه والملك يحاول منع فكه من السقوط مجددًا بينما تتابع سالومي رقصتها المحمومة. تتمايل ذراعها العاريتان في الهواء تطيران لأعلي وأسفل وعلى الجنبين، تلمسان برقة أكتاف سالومي وجسدها الشاب البض ، كتفها يبرز ويتحرك في حركة توميء للملك كي يقترب فيهز الملك رأسه لا إراديًا، لتسقط هي الوشاح الثالث !. يهتز الحشد وينفعل الملك لوعة وهو يشعر نبضات قلبه تتسارع!. أرقصي يا سالومي أرقصي!. تتسمر أقداح الخمر في الأيادي فلم يعد أحد يجروء على الشرب فيفوت لحظة واحدة من رقصة سالومي الرهيبة. تتسراع الموسيقى و ترقص سالومي وترقص! ثم بحركة سريعة تمد يدها وتلقي بوشاح خصرها نحو وجه الملك!.
لقد وصلت دقات قلبه لتسارع مجنون فها هو يقفز سنتميترات كي يرى ما خلف الوشاح الطائر. إنخلب لبه! لقد أسكر وهو لم يرتشف إلا بعض قطرات من قدحه الذهبي. تابع بنهم رقص سالومي المتموج وشعر برأسه يموج ويموج! قال في نفسه لو أنها طلبت أن أركع لها الآن لفعلت دون تردد!. تبتسم سالومي بينما تدور وترمي نظرة لوعة قاتلة نحو الملك نظرة تستجدي أعمق أعماق الرغبات داخل نفسه. تشتد الموسيقى وتشتد ثم تتوقف في حركة واحدة تخلع معها سالومي الوشاح الخامس الذي. إن هذا الغصن البض يرقص الآن مع قطعتين بالكاد تستران شيئًا ،يلف ويدور يتموج، يقز ويركع ويزحف…
تزحف سالومي على أربع مثل قطة لعوبة حتى تبلغ اقدام هيردوس بينما تتوقف الموسيقى أخيرًا ليظهر بوضوح لهاث أنفاسه الحارة. تبربش سالومي برموشها السوداء الطويلة وتبتسم قائلة بغنج ما بعده غنج: مولاي الملك لدي طلب..
فيرد الملك مزدردًا لعابه من بين لهاثه: اطلبي اطلبي أي شيء!
تمد سالومي يدها وتمسح برقة على قدم الملك وهي تقول: أريد رأس يوحنا المعمدان.
وباقي القصة معروف. يجن جنون هيرودوس ويسارع باحضار رأس سيدنا يحيي الشريفة لتستقر بين يدي هيروديا وسالومي اللتان ضحكتا بنشوة تفوق حتى نشوة هيرودوس في ذلك الوقت..
هذا هو تأثير الرقاصات فإن كانت رقاصة سمراء من بني إسرائيل قادرة على قتل نبي واغضاب رب العالمين وزلزلة الأحداث حتي يتحرك ملك عظيم مثل نبوخذ نصر الثاني ليقوم بما يعرف تاريخيًا بالسبي البابلي فلامؤخذة أفا! ماذا يمكن أن تفعل بك وعد القلوب يا صديقي المواطن؟
هناك أغنيتان هامتان يجب ذكرهما في هذا السياق
الأولى هي: إقرار
للكينج محمد منير
والثانية هي: للوطن
لباند مشروع ليلي
في الأغنية الأولى يظهر أن البطل يوقع على إقرار يوضح فيه خيبته وضيقته من حبيبته التي لم يتمكن كل ما فعلته به من تهديم وتكسير من تغيير مقدار حبه لدرجة أنها حتى لو جارت عليه وتركته وأعطت ما أخذته منه لغيره فإنه حتى لا يحتمل أن تسمع منه كلمة الوجع! لها حيث يقول:
أقر أنا المذكور أعلاه
ساكن في العنوان إياه
بإني الصبر علي صبر
طعم المر في قلبي فضل
يمرر فيه ولا عمره قدر
يغير حبك من جواه!
شوف المازوخية يا أخي! شوف!
طبعًا لو شاهدت الفيديو كليب للأغنية فستفهم تلقائيًا أن الأغنية سياسية وأن البطل يتحدث إلى مصر وليس حبيبته لكن مع رقص دعاء حجازي من الذي سينتبه لنسر الجمهورية العربية المتحدة العملاق الموضوع في منتصف الغرفة؟ بالتأكيد ليس أنا! إنها دعاء حجازي أيها الأوغاد!
أما عن الأغنية الثانية وهي الأكثر تعبيرًا عن جل المقال لصراحتها المباشرة يفتتح المشهد على الراقصة التي لا أذكر اسمها وهي تتمايل على انغام الكلمات التالية
غيرنا روض أعاصير ليتحكم بالمصير
ونحن من نسيم منطير ومنرتد على التدمير
وبس تتجرأ بسؤال عن تدهور الأحوال
بسكتوك بشعارات عن كل المؤامرات
خونوك القطيع كل ما طالبت بتغيير الوطن
يأسوك حتى تبيع حرياتك لما يضيع الوطن
قالولك
حاج تبشر تع رقصني شوي!
ليش مكشر تع رقصني شوي!
علموك النشيد قالوا صراعك مفيد للوطن
خدروك بالوريد قالوا خمولك
مفيد للوطن!
مفيش أي ميتين مباشرة أكثر من هذا ومع ذلك وقت نشر الفيديو لم تسلم مشروع ليلى من الانتقادات لأن المواطن الغبي قرر ترك الكلمات التي هي واضحة وضوح الشمس وركز في جسد الرقاصة ! حتى أن هناك شخص في التعليقات قال بالحرف أن الرقاصة كانت رجلًا ثم تحولت حتى ركز في ملامحها وتفاصيل ظهرها! يا أبويا طيب بالنسبة للوطن اللي هرى التليفون رن من الصبح؟ ألووو ألووووو! غيرنا روض أعاصير وإحنا من النسيم بنطير يا أستاذ المواطن! الوطن يضيع يا مواطن الوطن ينهار يا مواطن الوطن يأخذ خازوق تلو الآخر وأنت تصفق للرقاصة يا مواطن!
لكن لا عليك لا عليك طز في الوطن الآن ليحترق وليذهب إلى الجحيم هذا لينك الفيديو الجديد للرقاصة وعد القلوب من هنا استمتع بالمشاهدة وحاج تبشر!
في نهاية فيديو كليب أغنية “للوطن” يقترب المغني بشدة من الجمهور وهو يصدح بالكلمات ومع ذلك ينهض الجمهور ويوجه بصره ليصفق أحرَّ التصفيقات للراقصة!










Now I can like it peacefully
أنا اندمجت مع المقال جداً اول مره اعرف قصة النبي يحيى 💔أنا بجد مصدومه ،، فكرة المقال واختيار العنوان رائع رائع جداً هي دي المواضيع الي أنا ببحث عنها بس المحتوى عنها مش كتير توفقت جداً واتمنى المزيد 👏🏻👏🏻👏🏻