هذا المقال القصصي هو الجزء الثاني من مقال “انا والسخرية في السرير”، بإمكانك قرأته أولًا أو تجاهله لقرأة هذا المقال
في الليلة التي جاءتني فيها السوداوية لم أفتح لها الباب، لأنها كانت في الداخل أصلًا. كانت تجلس على سريري في الجهة التي كانت تنام فيها السخرية ذات مرة، وكأنها لم تكن امرأة جديدة دخلت حياتي، بل كانت تنتظر دورها منذ البداية، تنتظر أن تنتهي علاقتي بالسخرية حتى تظهر لي أخيرًا بوجهها الحقيقي. لم أفاجأ حين رأيتها، ولم أسألها كيف دخلت أو منذ متى وهي هنا، فقد كنت أعرفها منذ وقت طويل، ربما قبل أن أعرف اسمي، وربما قبل أن أعرف معنى أن يكون للإنسان اسم أصلًا. كانت الغرفة مظلمة، والنافذة مفتوحة على ليل لا يبدو أنه سينتهي، والهواء البارد يتحرك ببطء بين الستائر كأن أحدًا يقف خلفها ويتنفس. نظرت إليّ السوداوية حين دخلت، ولم تقل شيئًا، ولم يكن هناك ما يستدعي الكلام أصلًا. كانت تعرف لماذا جئت، وأنا كنت أعرف لماذا جاءت.
اقتربت منها وجلست إلى جوارها، فوجدت أن جسدها أكثر دفئًا مما توقعت. كنت أظن أن السوداوية يجب أن تكون باردة، شبيهة بالقبور والمرايا المعتمة والأشياء التي لا تعود منها الحياة، لكنني اكتشفت أنها كانت دافئة بطريقة مؤلمة، دافئة كجسد شخص تحبه وتعرف في الوقت نفسه أنك ستفقده، أو كيد تمتد إليك في اللحظة التي تكون فيها على وشك السقوط، ثم تكتشف أنها لا تستطيع إنقاذك، وإنما تستطيع فقط أن تسقط معك. كانت ترتدي ثوبًا أسود طويلًا، ولم يكن ثوبًا بالمعنى الحقيقي، بل كان كل الأشياء التي خذلتني في حياتي، وكل الوعود التي صدقتها ثم اكتشفت أنها لم تكن سوى كلمات قيلت في لحظة عابرة، وكل الأشخاص الذين أحببتهم ثم مضوا وتركوني أتساءل ما الذي كان عليّ أن أفعله حتى يبقوا. كان الثوب طويلًا إلى درجة أنني لم أستطع رؤية نهايته، وحين مددت يدي إليه شعرت أنني ألمس سنوات كاملة من حياتي، سنوات لم أعرف فيها هل كنت أعيش فعلًا أم كنت أؤجل موتي بطريقة طويلة ومملة.
مددت يدي إلى وجهها. لمست خدها، فوضعت يدها فوق يدي وأغمضت عينيها، وكأنها كانت تنتظر هذه اللمسة منذ زمن. كان وجهها شاحبًا، شحوبًا لا يجعلها قبيحة، بل يجعلها أقرب إليّ. كانت هناك هالات سوداء تحت عينيها، وحين دققت النظر اكتشفت أنها لم تكن هالات حول عينيها هي، بل حول عيني أنا. كلما نظرت إليها وجدتها أكثر تعبًا، وكلما اقتربت منها شعرت أن التعب ينتقل إليّ، أو ربما كان العكس، ربما كنت أنا الذي أعطيها إياه منذ سنوات، وهي فقط كانت تعيده إليّ في صورته الأخيرة. مررت أصابعي على الهالات تحت عينيها، فشعرت بوهن غريب يسري في جسدي، كأنني لمست شيئًا كان موجودًا في داخلي منذ البداية. ابتسمت لي ابتسامة خافتة، ثم قالت إنني متعب، فقلت لها إنني أعرف، فقالت إنني لم أعد أشبه نفسي، فنظرت إليها وقلت إنني منذ متى كنت أشبه نفسي أصلًا.
اقتربت مني أكثر، حتى أصبح وجهها أمام وجهي، ثم وضعت شفتيها على جبيني في قبلة طويلة وهادئة. لم تكن قبلة تمنحني شيئًا، بل شعرت بعدها أن شيئًا مني قد انسحب منها، شيء صغير لم أعرف اسمه، ربما كان جزءًا من قدرتي على الاحتمال، أو شيئًا من رغبتي القديمة في أن أستيقظ صباحًا وأجد سببًا مقنعًا للخروج من السرير. أغمضت عيني، وحين ابتعدت عني شعرت أن الغرفة أصبحت أوسع، وأنني أصبحت أصغر فيها. نظرت إليها، فوجدتها أكثر إشراقًا، بينما كنت أنا أكثر شحوبًا. قلت لها إن قبلتها أخذت مني شيئًا، فضحكت بهدوء وقالت إنني أنا من أعطاها إياه.
احتضنتها بعدها، ولم أكن أعرف لماذا فعلت ذلك. ربما كنت أحاول أن أستعيد ما أخذته مني، وربما كنت أريد أن أعطيها المزيد. وضعت رأسي على صدرها، وسمعت قلبها، لكنه لم يكن ينبض كما ينبغي. كان بطيئًا، متقطعًا، كأن قلبًا آخر يضرب داخله ثم يتراجع. رفعت يدي إلى ظهرها وأخذت أمرر أصابعي عليه ببطء، فشعرت بعظامها تحت جلدي، كانت هزيلة على نحو جعلني أخاف عليها، ثم أدركت أنني كنت أخاف على نفسي. كلما احتضنتها أكثر شعرت بأن جسدي يفقد شيئًا من قوته، وأن كتفي يزدادان ثقلًا، وأن ذراعي التي تحيط بها أصبحت أضعف. كانت السوداوية تزداد امتلاءً كلما احتضنتها، بينما كنت أنا أفرغ منها شيئًا فشيئًا، كأنها لم تكن امرأة أحتضنها، بل كانت ليلًا طويلًا أضع ذراعي حوله، وكلما ضممت الليل إلى صدري ازداد اتساعًا.
رفعت رأسها وقبّلتني هذه المرة على خدي، ثم على عيني المغلقتين، ثم توقفت طويلًا عند فمي دون أن تفعل شيئًا. شعرت بأنفاسها قريبة مني، وشعرت للحظة أنني أريد أن أترك نفسي لها بالكامل، أن أتركها تفعل بي ما تشاء، لا لأنني أرغب فيها كما يرغب الرجل في امرأة، بل لأنني كنت متعبًا من مقاومة كل شيء. كنت أريد أن أجد شيئًا أستسلم له دون أن أضطر إلى الاعتذار. اقتربت منها، وتلاقت شفتانا في قبلة طويلة، هادئة، لا تحمل شهوة بقدر ما تحمل ذلك النوع الغريب من الحنان الذي يشبه وداع شخصين يعرفان أنهما لن يفترقا لأن أحدهما يسكن داخل الآخر. وحين ابتعدنا شعرت أن روحي قد انسحبت مني قليلًا، خرجت من جسدي كما يخرج الدخان من نافذة مفتوحة، وبقيت أنا في السرير أخف من ذي قبل، أضعف من ذي قبل، بينما كانت هي تبدو أكثر حضورًا.
نظرت إلى المرآة المقابلة للسرير، فوجدتني شاحبًا. كانت الهالات السوداء قد ظهرت تحت عينيّ بوضوح، ووجهي بدا أكثر نحولًا، وكتفاي غارقتين في ملابسي كما لو أنني فقدت وزنًا كثيرًا في ليلة واحدة. التفت إليها، فوجدتها تبتسم. كانت تبدو أجمل الآن، وأكثر صحة، وأكثر امتلاءً، حتى شعرها الأسود أصبح أكثر لمعانًا. فهمت حينها ما الذي كانت تفعله بي. لم تكن السوداوية تحبني، أو ربما كانت تحبني بطريقتها الخاصة، لكنها كانت تعيش عليّ. كل حزن أعطيته لها كان يجعلها أقوى، وكل ليلة قضيتها معها كانت تترك على جسدي أثرًا جديدًا. كانت تأخذ مني النوم وتعطيني الأرق، تأخذ شهيتي وتعطيني الفراغ، تأخذ ضحكتي وتعطيني تلك القدرة الغريبة على النظر إلى الأشياء الجميلة دون أن أشعر بأي شيء.
ومع ذلك، احتضنتها من جديد.
كان هذا أكثر ما يثير دهشتي فيها، أنني كنت أعرف أنها تؤذيني، ومع ذلك كنت أبحث عنها حين يؤلمني كل شيء آخر. كانت السخرية تحاول أن تنقذني من حزني، أما السوداوية فلم تكن تحاول إنقاذي أصلًا، كانت فقط تجلس معي داخله، وهذا وحده كان كافيًا لأحبها. ربما لأنني لم أعد أريد النجاة، أو لأنني كنت قد تعبت من أن يطلب مني الجميع أن أنجو. كانت هي الوحيدة التي لا تطلب شيئًا. لا تريدني سعيدًا، ولا قويًا، ولا متفائلًا، ولا حتى حيًا بالمعنى الذي يفهمه الناس. كانت تريدني فقط كما أنا، وهذا كان أكثر ما أخافني فيها.
مددت يدي إلى شعرها وقبّلت جبينها. قلت لها إنني أحبها، لكنها لم تجب. قبّلتها مرة أخرى، فوضعت يدها على صدري، وشعرت بأصابعها تضغط فوق قلبي. لم تؤلمني، لكنها جعلتني أشعر بنبضه، بذلك النبض الضعيف الذي كنت قد نسيت أنه موجود. قالت لي إنني سأكتب عنها، فقلت إنني لن أفعل. قالت إنني سأكتب عنها لأنني لا أعرف كيف أحب شيئًا دون أن أحوله إلى كلمات، فقلت لها إنني لن أخونها بهذه الطريقة. ضحكت، وقالت إن الكتابة ليست خيانة، وإنني حين أكتب عنها سأجعلها تعيش أكثر مني. عندها صمتُّ، لأنني كنت أعرف أنها محقة.
نظرت إلى الطاولة، فكان القلم هناك، والورقة البيضاء بجواره. شعرت أنني أريد أن أكتب، لا لأتخلص منها هذه المرة، بل لأثبت أنها كانت موجودة. أردت أن أكتب كل هذه التفاصيل، أن أكتب عن جسدها الهزيل، وعن هالاتها السوداء التي أصبحت تحت عيني أنا، وعن قبلاتها التي كانت تتركني أضعف، وعن الطريقة التي كنت أشعر فيها بأن شيئًا من روحي ينسحب مني كلما اقتربت منها، وعن ذراعي التي كانت تحتضنها بينما كانت هي تزداد قوة وأنا أزداد هزالًا. أردت أن أكتب عنها حتى يصدق أحدهم أنني لم أكن وحدي طوال كل هذه السنوات.
لكنها أمسكت يدي.
لم تمنعني.
فقط أمسكتها.
نظرت إليها، فاقتربت مني، ووضعت رأسها على صدري مرة أخرى. هذه المرة لم أحتضنها بقوة، كنت قد أصبحت متعبًا أكثر من اللازم. اكتفيت بأن وضعت ذراعي حولها، وتركت أصابعي تستقر على ظهرها. أغمضت عيني، وشعرت بها تقترب مني حتى لم تعد هناك مسافة بيننا، لا بين جسدين، بل بين حزن ورجل استسلم له. قبّلتني في الظلام قبلة أخيرة، ثم بقيت قريبة مني، قريبة إلى الحد الذي جعلني أشعر أنها لم تعد تجلس إلى جواري، بل أصبحت داخلي، في مكان لا أستطيع الوصول إليه ولا طردها منه.
وقبل أن أغفو بقليل، سألتني إن كنت سأتركها يومًا.
قلت لها أنني لا أعرف.
فقالت أن هذا يكفي.
ثم شعرت بها تقترب مني أكثر، وتضع رأسها على صدري كما فعلت في البداية، فضممتها دون تفكير، وأغمضت عيني. كان القلم لا يزال فوق الطاولة، والورقة البيضاء لا تزال تنتظرني، لكنني لم أمد يدي إليهما هذه المرة. كنت قد وعدت السخرية أنني لن أعود إليها، وكنت أعرف أنني كذبت، وكنت قد أخبرت السوداوية أنني لن أكتب عنها، وكنت أعرف أنني سأكذب أيضًا.
لأنني الآن أكتب عنها.
وأنا أعرف أنها تقرأ.



جنت كاتمة مشاعري سنتين وأول ما قرأت المقال بكيت لا إرادي،أحسنت لأنك حولت تعب وحزن وأفكار سوداوية غير مفهومة إلى فضفضة ممزوجة بالآدب،وبنفس الوقت خليتني أطلع كبت سنتين😺
جتلي لحظة صمت
مش أي حد يقدر يوصل المشاعر بالطريقة دي