عزيزتي التي لم تعد عزيزتي
هذه رسالة من تلك الرسائل التي لم أرسلها لك لسبب أو لآخر وقد احتفظت بها لنفسي حتى تعثرت بها وسقطت على جذور رقبتي أثناء تقليبي في نوتة الهاتف
ونصها كالآتي:
في لحظةٍ ما، حين يهدأ الضجيج الذي صنعه العالم حولك، وتختفي كل تلك الأصوات التي حاولت أن تعرّفك بغير ما أنتِ عليه، ستدركين أنك لم تكوني يومًا مشروعًا ناقصًا، ولا نسخةً باهتة من أحد، بل كيانًا كاملًا كان فقط ينتظر أن يُرى كما هو، لا كما أراده الآخرون. ستفهمين أن الرحلة لم تكن لإثبات شيء لأحد، بل لاكتشاف نفسك التي كانت دائمًا هناك، صامتة، و صبورة، و تنتظر أن تُمنحيها حق الظهور.
أخبرتني مرة أنك تحسين بأنك متأخرة في فعل الأشياء أنك قد سقط ولم تنهض أبدًا، وأنا أقول أن هذا التأخير لا يعني أي شيء، فليس كل من تعثّر ظل ساقطًا إلى الأبد، فأحيانًا، يكون التعثر هو اللغة الوحيدة التي يفهمها الوعي حين يريد أن ينبهك أنك تسيرين في الاتجاه الخاطئ. وأحيانًا، يكون الألم مجرد يد خفية تعيد ترتيبك من الداخل، لا لتكسرك كما تظنين، بل لتجعلك أصلب و أصدق، وأكثر اتساقًا مع ذاتك لأن كل تلك اللحظات التي شعرتِ فيها بأنك أقل، و بأنك لا تكفين، كانت في حقيقتها امتحانًا خفيًا! مضمونه هو: هل ستصدقين ما يُقال لك، أم ستبحثين عن صوتك أنت؟
اسمعي...الناس بارعون في التصنيف، في وضعك داخل قوالب جاهزة، في منحك تعريفات مختصرة تناسب راحتهم وتؤرق حقيقتك. لكن الحقيقة لا تُختصر، ولا تُحاصر في جملة عابرة، فأنتِ أكثر تعقيدًا من أن تُفهمي بسرعة، وأكثر عمقًا من أن تُقاسي بمقياس سطحي. وربما كان هذا هو السبب في كل ذلك الالتباس الذي شعرتِ به؛ لأنك حاولتِ أن تكوني مفهومة لمن لا يريد أن يفهم أصلًا أو يتعب عقله في الفهم...
عمومًا... أنا أثق أنه سيأتي يوم ما تكونين فيه سعيدة، وليس لأن الزمن قرر ذلك، بل لأنك قررتِ أخيرًا أن تتوقفي عن الهروب من نفسك، يوم تنظرين فيه إلى المرآة فلا تبحثين عن عيوبك، بل عن ملامحك الحقيقية التي أخفيتها طويلًا. ستبتسمين ابتسامة مختلفة، ليست تلك التي تُجاملين بها العالم، بل تلك التي تنبع من سلام داخلي حقيقي، من إدراك عميق أنك نجوتِ من كل شيء كاد أن يحطمك تمامًا.
ستتذكرين كل الليالي التي بكيتِ فيها بصمت، كل المرات التي شعرتِ فيها بأنك وحدك، وكل اللحظات التي ظننتِ فيها أن النهاية اقتربت… ثم ستدركين أن كل ذلك لم يكن نهاية، بل كان بداية تتشكل ببطء، بداية لم تكن لتحدث لولا أنك مررتِ بكل ذلك.
ولأنك مررتِ، ولأنك قاومتِ، ولأنك لم تستسلمي رغم كل شيء، و لأنك تحملتِ ما لا يُحكى، ولأنك صدّقتِ ولو للحظة أن هناك ما يستحق الاستمرار… ستصلين. ولكن ليس إلى الكمال، بل إلى نفسك. وهذا في رأيي هو أعظم أنواع الوصول.
عندها فقط، ستفهمين المعنى الحقيقي لما قيل يومًا، وستتردد العبارة داخلك لا ككلمات، بل كحقيقة عشتِها
عزيزتي التي لم تعد عزيزتي ستكونين يوما شمسًا فلكِ ما يكفي من صفات النجوم.
عزيزك الذي لم يعد عزيزك
عمر رزق



لا اصدق أنني وجدت شيئاً من نفسي داخل هراء ...
أحب هرائك نحتاج المزيد منه