رأيتكِ ليلًا تبكين على سريرك. كنتِ ترتجفين بينما يهطل الدمع مختلطًا بكحلكِ الاسود، جاريًا فوق خدك الريان، سائلًا برقة نحو فراشك الأبيض.تلطخ الفراش. تبقع ورسم الكحلُ فوقه لوحة سريالية تشبه ألمك السريالي تمامًا.
كنتِ تنشجين و تتأوهين بينما تحتضنين جسدك المتعب والمهدود، آملة أن يخفف ذلك الاعتصار الضعيف وتلك اللمسة الذاتية الواهنة من خفقان قلبك المضطرب، فلماذا؟، لماذا أنتِ حساسة للغاية يا فتاة؟. لماذا تواجهين العالم بمثل هذا الضعف وهذه الهشاشة كأنكِ خُلقتِ فقط لتعاني؟.
إنني أجد صعوبة في فهمك، فكيف تكونين في لحظة ما طائرة كفراشة خيالية بهيجة ثم في لحظة أخرى تستحيلين إلى جُعران أسود كئيب ثقيل الحركة، حشرة تدفع كرة ضخمة من الروث باستمرار سيزفيٍ رهيب؟
أعرفُ أن العالم قاسٍ لهذا الحد وأن تلك النغزات الصغيرة تؤلم أسوء ألف مرة من الطعنات، تلك الكلمة التي آلمتكِ أو ذاك التعليق الذي أشعركِ بالقبح. أعرفُ مقدارَ ما يلهبونه من ألم، صدقيني أعرفُ كل هذا لكنكِ لا تدركين كم أن رؤيتكِ محدودة للغاية!، فهاهو الرجل الذي آلمكِ يعود إلى بيته باكيًا لأن هناك امرأة أخرى أهانته، وها هي الفتاة التي علقت على قبحكِ الكاذب تقف أمام المرآة ساعة كاملة متسائلة ومتشككة لماذا لا يحبها أحد؟.
لا أقول أن هذه الحقائق قد تخفف من جروحك وتعيد كل الدمِ الذي نزَّ من منها هاربًا. لكنها على الأقل مواساة أجذب بها بصرك الزائغ و أوقف بها نشيجك وأجمد بها سيلان المطر الأسودِ من عينيكِ الجميلتين كيلا يرسم المزيد من لوحاته السريالية على الفراش، و كي أخبركِ أن هذا العالم مريض وأننا كلنا مرضى، ندحرجُ في أبد سيزيف كرات روث تحمل كل خيباتنا، لكن وإن كان البعض يتقن مواراة أعراض هذا المرض ودفن كراته بعيدًا عن الأعين بمهارة تعجزين عنها أنتِ فهذا لا يمنحكِ الحق في كل هذا الانكسار!
مجددًا يشيح بصرك. تزوغ عيناك نحو لوحة الفراش فتحدقين بها. تمدين أصابعك النحيلة نحوها ثم تتراجعين، كأنكِ خائفة من أن تتلطخ يدك بكل هذا الحزن المرسوم كأنك نسيت لوهلة أنك أنتِ بنفسكِ مصدر هذا الحزن الأسود.
أود أن أقول شيئًا آخر لكنني أعرفُ أنكِ لن تصغي فلقد ذاب وعيكِ وانطوى داخل كهف من السبات العميق حاجبًا نفسه عن المزيد من الصدمات، وحتى لو لم يفعل فكنتِ ستقولين أنني لا أفهم وكنت ستكونين محقةعلى الأغلب، فلا أحد يفهم ُ ألم الشخص الآخر تمامًا، فنحن لا نستطيع بكل أسف أن نعبر داخل أجساد بعضنا أو نستبدل القلب بقلب الآخرين حتى ولو لبضع دقائق نعرف فيها كيف يبدو العالم من منظوره الشخصي. لكنني استطيع أن أجلس جواركِ ولعمري ففي بعض الليالي يصير هذا كل ما يحتاجه الإنسان.
سأجلسُ هناكَ فقط على بعد خطوة لتشعري بدفئي وحضوري وأتحدث مجددًا رغم انعدام حضورك لأخبركِ أنني لا أريدُ منكِ أن تكوني قوية الآن وأنني لن أمنحكِ خطابًا عن الصمود ولا الوصايا العشر والخطوات السبع أو تلك الأكاذيب المبهرجة التي يطعمها لك كتاب سابستاك عنوة ليخبروك أن كل شيء يحدثُ لسبب ما، فبعض الأشياء تحدث فقط لأنها تحدث، وبعض الناس يؤذوننا لأنهم قادرون على ذلك ببساطة ، وبعض الأبواب تغلق دون أن يكون ورائها أي باب آخر وبعض الليالي مرهقة وطويلة حتى لتشكين أن الصباح هو اختراع أوجده الناس ليمنحوا لأنفسهم أملًا زائفًا! ،لكن الصباح يأتي على أي حال يأتي دون وعود. يأتي فقط وهذا كافٍ
نامي الآن يا فتاة، نامي واتركي العالم يفعل ما يجيده من ضجيج وركض وتكاثر وبيع وشراء وحروب وخيانات وقبلات ووعود خلف النافذة. اتركيه كله. ضعي رأسكِ على وسادتكِ واتركي الدموع تنهمر وحدها حتى تنفد، وغدًا حين تستيقظين، لا تحاولي أن تكوني فتاة أخرى. كوني أنتِ. تلك الهشة، والخائفة. تلك الحساسة للغاية. تلك التي أظهرت لي كم يبدو العالم خشنًا لدرجة جعلت معها الرقة تبدو مرضًا مزمنًا… تلك الفراشة الخيالية دون الجعران الأسود.



أحببتُ كلامك وأخذتهُ لي
رغم انني لا استطيع البُكاء
ظهرلي امبارح وانا قاعدة بعيط طول اليوم😭
بس مكانش ليا نفس اقرا