أنا مشروع أبويا الفاشل
مرحبًا, أعرف أن سبلنا انقطعت نهائيًا وأن الرسائل التى كنا نتبادلها من حين لحين ونضحك بها على جروحنا المفتوحة لم تعد تُكتب بعد الآن، وأن تلك القبلات التى كنا نسرقها في خيالنا خلسة توقفت عن الإتيان. اخترت كتابة هذه الرسالة لك لأنني حقيقة لم أعرف كيف أكتبها دون أن يُطعن قلبي، دون أن أبكي نفسي وأنا أتألم. اخترتك لأنك جعلتني أشعر أنني أكثر الأشخاص تميزًا على الإطلاق جعلتني أنسى ضعفى ونواقصي، ومنحتني من الثقة ما لا يمنحه أحد لأحدٍ بغير حساب. عزيزتي التي من أجلها صرت إنسانًا أفضل ،و للأسف من أجلها لم استطع أن أكون قادرًا على كل شيء، شكرًا للأستاذ غيوم ميسو على كلماته الرقيقة التى لم استطع سرقتها!.
أخبرني أبي توًا أن قريبنا قد صار طبيبًا، فتح هذا في جرحًا غائرًا لا يكاد يندمل أبدًا. هو لا يتوقف عن ذكر الأطباء من حين لحين وكأنه يتحدث عن أنبياء الله الصالحين.فماذا أفعل ؟ لم نكد نجلس في مجلس طعام إلا وذكر فلانًا الطبيب أو علانًا الذي فتح عيادة، فمتى ينتهي هذا الكابوس؟
لقد صرتُ معقدًا, صرت أكره الأطباء وكل ما يتعلق بهم ولا أكاد أقع على طالب منهم أو طبيب يخطيء إلا و أصعدته المسرح وسلطت عليه جميع أضواء السخرية.
أحيانًا أبدو شريرًا قاسيًا عديم الذوق منزوع اللباقة بسبب هذا، وأحيانًا أبدو كفتى ريفي حقود منزعج لأن مجموعه لم يدخله قدس الأقداس التي تسمى كلية طب رغم أن تخصصي الأدبي في الثانوية كان ولا زال أبعد ما يكون عن كل ما يتعلق بهم. أشعر أني موبوء وملوث بموروثات الحقد, أنني صرت صندوق المهملات الذى كدس فيه أبي جميع عقده ونواقصه ورواسبه القديمة أشعر أنني مسخ
أننى… أني مشروع أبي الفاشل
أنا لا أؤمن بالحياة الأخرى فهذا مصطلح دخيل على ثقافتنا وديننا ولا أعتقد مثل باقي الحمقى أن الروح تعيش وتتجسد في جسد آخر بعد فناء جسدها القديم , لكن أحيانًا أتخيل ماذا لو كان الأمر هكذا فعلًا؟ من السهل على الإنسان دومًا أن يتخيل مهربًا يرنو إليه ركضًَا كلما تأزمت الظروف وتراكمت الهموم. فأنا أتخيل أنني أموت بعد أن ينقصف عمري قهرًا وذلًا فتطوف روحي برهة حتى تجد لها مستقر في جسد آخر.
وفي هذه الحياة سأكون كل ما كانوا يريدونه سأكون طبيبًا سأكون ضابًطا في الجيش وعبقريًا في الرياضات وحلالًا للعقد ورجل إطفاء ورائد فضاء وصاحب شركات سأكون سعيدًا وابتسم على الدوام رغم الظروف القاهرة ولن أكتئب أبدًا ! سأكون ابنًا بارًا وخادمًا مطيعًا ورجلًا مسؤلًا يصحح جميع أخطاء والده لأن هذا بالطبع ما يفعله الأبناء يصححون أخطاء آبائهم, سأكون بهلوانًا وأرجوزًا ومهرجًا وسأسجد ليل نهار عند أقدام أبي الجديد كي يتعظم اسمه وتجلو منازله ! لن أرتكب نفس الأخطاء السابقة لا لا لن أكون إنسانًا حرًا ولن أسعى للحرية بأي شكل من الأشكال سأتبع المسارات الموضوعة لي مسبقًا لأنني مجرد مشروع استثماري عند أبي الجديد ويجب أن أنجح يجب أن أنجح يجب أن أنجح! لا يسمح لي بالخطأ لا يسمح لي بالخطأ لا يسمح لي بالخطأ!
وبعد كل هذا سألهث في أعقاب سيدي وأبي الجديد وأترجى رضاه وسيادته سأكون أعظم عبد عرفه التاريخ سأكون أي شيء أي شيء! كيلا أكون مشروع أبي الفاشل.


أقرأ المقال مرارا وتكرارا، فأجدني لست سوى نسخة مكررة لمشروع آخر ولد في مخيلة رجل مسكون بالخوف، رجل لم يجرؤ يوما على الحلم ولم يطرق باب السعي. لكن ذاكرته للأسف لا تخطئ أبدا أسماء فلان وعلان؛ أحدهم ارتدى مئزر الطب والآخر تقلد الهندسة، ومن اعتلى منصبا ومن طار بعيدا خلف الحدود. يستمر في رجمي بأسمائهم، فلا أجد في كلماته ما قد يضمد قلقي أو يحمي حلمي.
يرسم لي مسارات تتغير بتغير رغباته، أو بالأحرى بتجدد أسماء أبناء أصدقائه وزملائه في العمل: ابحثي هناك، ادرسي ذاك، هذا يليق بك وهذا يرفع رأسي أمام الناس. أحاول دوما الإفصاح عما يشبهني ويلمس شغاف روحي، فيهوي صوته فوق عنق طموحي كالمقصلة: لن تفلحي.. لن تنجحي.. هذا فوق طاقتك.. ما الغاية من الوصول إلى الضفة المجاورة؟
في منزلي، صارت أحلامي وهواياتي جرائم يعاقب عليها القانون. استنزفت طاقتي وفقدت في منتصف الطريق الرغبة في المسير، لكنني ما زلت أريد أن أطير.. إلى أين؟ لا أعلم، فأبي لم يعلمني الطيران لكنه يصر على أن أغادر العش.
انت ازاي جبتها صح كدا انت كتبت كلام كان نفسي أقوله من زمان بس أنا مش عايزه أبين لكو جانبي المعقد 😔