اهتزّت المنصات لموجة غضبه المفاجئة، وشعر الكُتّاب جميعًا أنهم فقدوا رضا واحد من أهم أعمدة جمهورهم، ذلك القارئ الذي لم يكن يرضيه شيء … ومع ذلك كان لا يتوقف عن القراءة أبدًا!
في وقت قياسي، تحوّل إلى ظاهرة، لا يذكر أحد متى بدأت تحديدًا، ولا من كان أول من أطلق عليه لقب "القارئ العيل"، وربما لأنه لم يكن يستحق لقبًا غيره، ولم يكن غيره يستحق هذا اللقب فقد التصق به التصاقًا لا قدرة للجبابرة على فصله.
معجزته ببساطة كانت أنه يعترض قبل أن يفهم، بل أحيانًا قبل أن يُكمل السطر الأول. لم يكن ذلك إلى درجة أن ينتقد عنوان المقال فقط—رغم أنه فعلها أكثر من مرة—لكن قدرته على القفز إلى الاستنتاجات كانت مثار دهشة وإعجاب في آنٍ واحد!
فعندما ظهر للمرة الأولى في التعليقات، تحت أحد المقالات التي لم تكن قد اكتملت بعد، كتب في ثقة:
"الموضوع ده سطحي جدًا"،
ثم أتبعه بعد ثوانٍ:
"طويل وممل"،
ثم ختمها بعبارة حاسمة:
"اختصر يا عم الكاتب".
ظن البعض في البداية أنه يمزح، أو أنه حساب وهمي مدفوع لإثارة الجدل، لكن سرعان ما أثبت وجوده بنفسه، إذ كان يعلّق على كل شيء، في كل وقت، بنفس الحماس، وبنفس القناعة الراسخة أنه أعلم من الكاتب بذات نفسه بما يجب أن يُكتب.
لم يكن يعجبه الأسلوب إن كان بسيطًا، ولا يعجبه إن كان عميقًا، لا يرضيه الاختصار لأنه مخل، ولا الإطالة لأنها مملة، وإذا وافق هواه في فكرة واحدة، طالب فورًا بأن تُبنى المقالات كلها على نفس الفكرة، وكأن الكون خُلق ليكتب له وحده.
وفي غضون أيام، تحوّل إلى هوسٍ رقمي وعلامة فارقة في مستقبل أي كاتب جديد على سابستاك، يتتبعه الكُتّاب قبل نشر مقالاتهم، يخشون تعليقاته كما يخشى الممثل الصاعد نقد الجمهور الحاد، وصار اسمه يُتداول في الجروبات والمنتديات، لا باعتباره قارئًا، بل باعتباره اختبارًا عظيمًا يجب أن يمر به جميع الكتاب
فكان بعض الكُتّاب، من فرط حرصهم، في تعديل مقالاتهم مسبقًا يحذفون فقرة لأنه "أكيد هيقول طويلة" يضيفون شرحًا لأنه "هيقول مش فاهم يضعون جملة صادمة في البداية لأنه "بيحب الساسبنس". حتى صار المقال، قبل أن يُنشر، مشوهًا بين خوفٍ من اعتراضه، ورغبةٍ في إرضائه.
المصيبة التي حدثت بعد فترة ليست بقليلة أن القاريء العيل قد تحول من مجرد فرد إلى عدوى زومبي سريعة الإنتشار… أصبح نموذجًا يُحتذى دون وعي، فامتلأت التعليقات بنسخٍ ممن ينتقدون بلا قراءة، يعترضون بلا فهم، ويطالبون بنصوصٍ مفصّلة على مقاس بوكسراتهم .
المرعب أنه عندما حاول أحد الكُتّاب—في لحظة شجاعة نادرة—أن يكتب مقالًا لا يراعيه، لا يهادنه، ولا يخشى تعليقاته، فنشره في هدوء، ثم انتظر.
لم تمر دقائق حتى ظهر القارئ العيّل، وكتب كلمته المعتادة، التي لم تختلف كثيرًا هذه المرة، لكنها كانت أوضح، أصدق، وأخطر:
"مش عاجبني”
مش عاجبك ليه طيب فبن المشكلة ؟
مش عاجبني وخلاص
وشرع القاريء العيل في بكاء محموم وهو ينادي والدته لتضرب له هذا الكاتب “النوتي” الذي لا يكتب على مزاجه
تلجلج الكاتب واضطرب وراح يبحث عن عذر ما أو منفذ ليبرر أن المقال لم يكن سوى تجربة شخصية مر بها وليست بالضرورة فكرة يريدها أن تنتشر
-يا سعادة القاريء العي…
-واااااااء
-حضرتك…
-وااااااء
-يابني…
-وااااااء
-ياباشا أغيرك البامبرز طي..
-وااااء
لا فائدة وقف الكاتب هناك بينما يبكي القاريء العيل ويدبدب في الأرض بصوت أعلى وأعلى وأعلى! ليرضخ أخيرًا لرغباته ويقوم بحذف ميتين أم المقال بالكامل.



إهداء إلى:
كل القراء العيال في سابستاك
زياد الذي يسرق مقالاتي
البنات اللي بتقولي ليه كل مقالاتك عن البنات
اشمعنى انت بتقابل النوعية دي😭؟